نساء خلف القضبان.. معاناة الأسيرات الفلسطينيات تتصاعد في سجن الدامون الإسرائيلي
نساء خلف القضبان.. معاناة الأسيرات الفلسطينيات تتصاعد في سجن الدامون الإسرائيلي
تعيش الأسيرات الفلسطينيات في سجون إسرائيل واحدة من أقسى فصول المعاناة الإنسانية، في ظل تصاعد الانتهاكات والإجراءات القمعية التي تطول تفاصيل حياتهن اليومية، وتحول أماكن الاحتجاز إلى فضاءات مفتوحة للإذلال والتنكيل، ومع تزايد التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية، تتكشف صورة قاتمة عن واقع اعتقال النساء الفلسطينيات، حيث يتداخل القمع الجسدي مع التعذيب النفسي في سياق يوصف بأنه ممنهج ومدروس.
وفي هذا السياق، قالت لجان المقاومة في فلسطين في بيان نقلته وكالة أنباء صفا الثلاثاء، إن مصلحة السجون الإسرائيلية تواصل ارتكاب اعتداءات وصفتها بالفاشية بحق الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، بدعم مباشر وقرار سياسي من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، معتبرة أن ما يجري يعكس سياسة قمع متعمدة تهدف إلى إذلال الأسيرات وكسر إرادتهن في ظل صمت دولي مريب وتراجع منظومة القيم الإنسانية.
ظروف اعتقال قاسية وتدهور إنساني
أوضحت لجان المقاومة أن إدارة سجن الدامون تفرض إجراءات تعسفية شملت منع الأسيرات من النوم لساعات طويلة، وحرمانهن من ارتداء الملابس الشتوية رغم البرد القارس، ما فاقم من معاناتهن الصحية والنفسية، وأكدت أن هذه السياسات أدت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية داخل السجن، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية التي تكفل حقوق الأسرى والأسيرات.
وأضافت أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من القمع المنهجي، حيث تتعرض الأسيرات لحرمان مستمر من أبسط مقومات الحياة، إلى جانب الإهانات اليومية والمعاملة القاسية التي تهدف إلى تحطيم الكرامة الإنسانية.
وشددت لجان المقاومة على أن الجرائم المرتكبة بحق الأسيرات، ومنها قمع وحرمان وتعذيب جسدي ونفسي، تتطلب تحركاً عاجلاً من المؤسسات الأممية والدولية والإنسانية، من أجل وقف هذه الانتهاكات ومحاسبة إسرائيل عليها، كما دعت إلى كسر حالة الصمت الدولي التي تسمح باستمرار هذه الجرائم دون مساءلة.
تصعيد غير مسبوق خلال عام 2025
وكانت تقارير حقوقية قد أفادت بأن عام 2025 شهد تصعيداً غير مسبوق في الانتهاكات بحق الأسيرات الفلسطينيات، حيث تعرضت النساء في سجون إسرائيل لسلسلة من الممارسات القمعية التي طالت كل تفاصيل حياتهن، من لحظة الاعتقال وحتى ظروف الاحتجاز اليومية.
ووثقت مؤسسات حقوقية أكثر من 650 حالة اعتقال لنساء وفتيات فلسطينيات خلال العام، شملت قاصرات وطالبات جامعيات وصحفيات، إضافة إلى مريضات بأمراض مزمنة وخطيرة، بينهن مصابات بالسرطان، وأكدت هذه التقارير أن الاعتقالات جرت في كثير من الأحيان بذريعة التحريض، وهي تهمة فضفاضة تتيح سجن النساء دون أدلة واضحة.
السجون بوصفها بيئة للعنف المركب
تشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن السجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى بيئة مركبة لممارسة العنف، حيث يتقاطع التعذيب الجسدي مع التحطيم النفسي والانتهاكات ذات الطابع الجنسي، واعتبرت هذه المنظمات أن ما يجري يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.
وأكدت شهادات موثقة تعرض أسيرات لتفتيش عارٍ متكرر، ولمس للأجزاء الحساسة، وتهديدات مباشرة، إضافة إلى وجود كاميرات مراقبة داخل أماكن الاستحمام والحمامات، في ممارسة تصنف ضمن المراقبة الجنسية القسرية.
شهادات صادمة من داخل الزنازين
ونقلت مؤسسات حقوقية شهادات لأسيرات تحدثن عن تعرضهن للصعق بالكهرباء في مناطق حساسة من الجسد، وإجبار أخريات على البقاء عاريات داخل غرف باردة لفترات طويلة، كما كشفت شهادات عن احتجاز أسيرات في زنازين بلا نوافذ، ومنعهن من النوم، وحرمانهن من الفوط الصحية، ما أدى إلى انتشار التهابات وأمراض صحية خطيرة.
وأكد محامون زاروا سجن الدامون أن الاكتظاظ الشديد، وغياب التهوية، والحرمان من الاستحمام لأسابيع، إلى جانب الضرب اليومي والإهانات اللفظية ذات الطابع الجنسي، جعلت التعذيب النفسي أداة أساسية في إدارة السجن.
اقتحامات متكررة وقمع منظم
أفاد مكتب إعلام الأسرى بأن الأسيرات في سجن الدامون تعرضن خلال شهر ديسمبر الماضي لسلسلة من الاقتحامات العنيفة، شملت اقتحام الأقسام وإجبار الأسيرات على الانبطاح أرضاً، وإدخال كلاب بوليسية، وإلقاء قنابل صوتية داخل الأقسام، وأشار إلى أن هذه الاقتحامات ترافقت مع معاناة شديدة من البرد، في ظل نوافذ بلا زجاج ومنع ارتداء الملابس الشتوية.
وأوضح المكتب أن هذه الإجراءات زادت من حدة المعاناة الجسدية والنفسية للأسيرات، خاصة مع محدودية المستلزمات الشتوية، والاكتظاظ خلال فترات الفورة والاستحمام.
استهداف النساء بوصفه سياسة ضغط
من جانبه أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن السلطات الإسرائيلية تواصل استهداف النساء الفلسطينيات بالاعتقال بوصفه جزءاً من سياسة ممنهجة، حيث خاض أكثر من 200 امرأة تجربة الاعتقال خلال العام الماضي، بينهن 17 قاصرة ومسنات تجاوزت أعمارهن 60 عاماً، إضافة إلى أسيرتين مصابتين بالسرطان.
وأوضح مدير المركز رياض الأشقر أن السلطات الإسرائيلية تستخدم اعتقال النساء وسيلة للضغط على أفراد العائلة أو ابتزازهم، كما يوظف النساء دروعاً بشرية خلال اقتحام المخيمات والقرى، وأضاف أن 18% من حالات الاعتقال طالت فتيات جامعيات بهدف تدمير مستقبلهن الدراسي والاجتماعي، في حين استهدفت الاعتقالات أيضاً صحفيات أثناء تأديتهن عملهن.
واقع الأسيرات اليوم
ويبلغ عدد الأسيرات المحتجزات حالياً 49 أسيرة، بينهن قاصرتان، وأسيرتان معتقلتان منذ ما قبل أكتوبر 2025، إضافة إلى 24 أسيرة أمهات لعشرات الأبناء، وتعيش هؤلاء في ظروف اعتقال قاسية تشمل التجويع المتعمد، والإهمال الطبي، والتركيب المكثف لكاميرات المراقبة، وفرض إجراءات مهينة تعرف بالفحص الأمني.
تشكل قضية الأسيرات الفلسطينيات جزءاً من ملف أوسع يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فمنذ عقود، تستخدم السلطات الإسرائيلية الاعتقال أداة للسيطرة والقمع، في ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة، وتؤكد تقارير أممية وحقوقية أن النساء الفلسطينيات يتعرضن لانتهاكات مضاعفة بسبب نوعهن الاجتماعي، ما يجعل معاناتهن أكثر تعقيداً، وفي ظل استمرار هذه السياسات، تتزايد الدعوات الحقوقية إلى تدخل دولي جاد يضع حداً لواقع السجون الإسرائيلية، ويضمن حماية الأسيرات وفقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني.











